تريد الحصول على مدونة شخصية ؟
من وحي القلم

قصة قصيرة: آخر يوم للغطس

12 January2016 على 19h25

كان يستعد للغوص في أعماق هذا البحر الذي تلاطم موجه ودكن لونه . ألقى نظرة حالمة إلى السماء فألفاها زرقاء يتفرق على أديمها بقع من السحب المنتشرة كأنهانفثات سيجار . صباح خريفي مشمس ككل أيام هذا الأسبوع  تقريبا, شاهد بالأمس نشرة الأحوال الجوية رفقة زوجته وولده صلاح الدين الذي حاول ارتقاء ظهره لاعتلاء منكبيه . وابنته خديجة في حضن أمها تمسك بقارورة الحليب , تمصها تارة وترمق أخاها بعجب تارة أخرى .


جلس على حافة القارب المتهتز بفعل المد و الجزر , حشر جسمه داخل بذلة مطاطية ولبس الزعانف في رجليه . يوم آخر من الغطس في أعماق هذا اليم , ولكن هذه المرة ستختلف و لن تكون كالأيام التي رجع فيها لا يحمل إلا النزر القليل من الغنيمة , لم يخبر زوجته عما عزم على فعله, وودع ولديه خلسة كي لا يثير ريبتها , إحتضنهما بكامل قوته وحنانه حتى كاد يذرف الدموع لما تعلق به صلاح الدين و أمسكه من حافة بنطلونه و أبى أن يتركه . خرج من بيته يجر خطواته نحو الشاطئ , مسوقا بقوة اليأس  وغريزة البقاء أين ينتظره القدر هناك بوجه متجهم . وعده الرجل صاحب القارب مقاسمة الربح بالنصف إن هو تمكن من بغيته هذا اليوم . قبل العرض دون تردد , فلا خيار أمامه . لديه عائلة تنتظر قوتها منذ أسبوع. و بعد تلك الزيارة الغير المتوقعة للطبيب , وبعد الفحص المتواصل و الراديوهات و السكانيرات , تبين أن زوجته تعاني من سرطان الثدي وقد استفحل وضعه... إن كانت الحياة بكل هذه القساوة فلماذا لا نجابهها بقسوة أيضا ونغوص في أغوارها حتى النهاية , إن كنا سنموت لماذا لا تختار طريقا أشرفا للموت , هكذا قرر الإقدام على خطوته التي لا محيص عنها . . .


نظر إلى الأفق العيد أين يلتقي البحر بالسماء دون رابط بينهما .التفت إلى يمينه عند انحناءة الزورق ومد يده ليلتقط قارورة الأكسجين , سحبها ووضعها بين رجليه , ثم رفع وجهه نحو الرجل الجالس على الحافة المقابلة , الذي أنشأ يقول : 


- نبيل . هل أنت في كامل قوتك ؟ فأومأ نبيل برأسه إيجابا دون أن ينبس ولما التمس الرجل منه موافقة عاد يقول بصوت عطوف يحمل في طياته جسا لنبض نبيل :


- هل أنت متأكد من أنك ستبلغ 100 متر ؟ نبيل إن لم تقدر فستون مترا ستفي بالغرض . 


كان يعلم كلاهما أنه لا مناص من المئة متر , جرب من قبل الستين مترا و خرج صفر اليدين في أغلب الحالات . الحاجة تبرر الوسيلة  وحاجته تقوده إلى الدرك الأسفل . و أذعن لطمع الرجل ووضع القناع على وجهه مكتفيا بهز كتفيه استهانة . 60 مترا ,100 متر كلها سيان عنده حتى 150 ستهون في سبيل الرزق . وثبت قارورة الأكسجين على ظهره . أمسك بقضيب معدني معقوف عند نهايته وتتدلى منه شبكة . ألقى نظرة أخيرة على الدنيا وسحب نفسا طويلا ثم غطس في الماء .


بدأ ظله يختفي وسط ظلمة البحر كلما غاص أكثر وخلف وراءه فقاعات بدأت تقل مع مرور الوقت . كان سطح الماء أملسا بلون فوسفوري مشع . هناك تحت السطح شخص وحيد يعاند الحظ و البحر و الموت . وكأن تعاسة الأرض لم تكن كافية.وواصل الغوص . . . 


ثلاثون مترا .


شق طريقه بثبات نحو القاع , سبح بانسيابية ومرونة خليقة بسباح مخضرم . على هذا العمق شاهد أسراب السردين الفضية تتحرك بإيقاع منظم وكأنها لحن موسيقي . ولمح عن بعد سمك الزمير و سربا آخر من سمك الركوس , تتحرك زعانفها في حركات رشيقة , تتبع أثر السردين لإقامة مأدبة جماعية . وواصل الغوص . . . 


خمسون مترا .


لا تزال المئة متر بعيدة ولكنه قطع نصف المسافة حتى الآن , حرك رجليه بقوة فدفعته الزعانف عدة أمتار إلى الأمام , أحس بغتة بوخز في فخذه الأيسر . تجاهل الألم الذي تسبب به نقص الكالسيوم في عضلاته . وواصل الغوص . . .


خمس وثمانون مترا .


شعر بالضغط يتزايد كلما أوغل في البحر نحو القاع , وثقلت نبضاته قلبه تدريجيا , ولكن الحياة لا تزال سارية رغم هذا المكان الموحش  , وإذا هو يغوص مر أمامه قنديل برأسه المقبب الشفاف و أطرافه الطويلة الرفيعة . توقف أمامه برهة وهو يشاهده, تحرك شكله الهلامي عكس لوامسها الرفيعة  في حركة كالمضخة . وواصل الغوص . . . 


ثلاث وتسعون مترا . 


ظهرت الشعاب المرجانية أخيرا, ولاحظ عن كثب لونا أحمرا وخطوطا متموجة كشعيرات شقراء تسبح على عمق 100 متر , اقترب من القاع ببطء وتجاهل الألم الصارخ في فخذه اليسرى وأحس بثقل في صدره . كان وهو يقترب من القاع يرى أجمل منظر في حياته . أجمة من الشعاب المرجانية الملكية الحمراء , تتلألأ خلالها فصوص من اللآلئ الناصعة والفاقعة لونها , وهناك رأى سمكة الحنكليس تجر جسمها الطويل وكأنها تزحف فوق كنوز علي بابا في قصص ألف ليلة وليلة قبل أن تدركها يداه . إشتعل الألم في فخذه و تشنجت قدمه السيرى ولكنه تشبث بأهداب الأمل وقاد القضيب المعدني بين الشعاب يلتقط المرجان المتساقط على القاع . مضى الوقت سريعا واستنفذ كمية لا بأس بها من الأكسجين , نال حظا من التعب وتقلصت عضلات فخذه وتشنجت بقوة , لم يستطع هذه المرة مقاومته فأفلت القضيب من يديه وسقط المرجان متناثرا بين الشعاب . تحرك بعنف ليمسك برجله وتلوى في مكانه صارخا بصوت مكتوم , تناثرت من فمه فقاعات كثيرة وسقط القناع من وجهه . تخبط في مكانه بين الألم الذي هصر جسمه و بين الجهد الضائع لإلتقاط القناع . دام ذلك لحظات حتى تسمر فجأة و أمسك صدره بيده . جحظت عيناه وكأنه يحدق إلى أمر بالغ الدهشة , مد يده وكأنه يتحسس ملمس وجه جميل , وتحركت شفتاه ببطء في الماء وكأنه يود قول كلمة أخيرة للوجه الغير المرئي . كان نطقه يتردد في الأعماق , كان نداءا سرمديا تجاوبت معه الحيتان و البحار والمحيطات  . صلاح الدين , خديجة , زوجتي . . .


بعد ثلاثة أيام .


ذاع في القرية أن أحد الصيادين الهواة وجد جثة على الشاطئ , فخف عدد كبير من السكان نحو خليج بحري على بعد شاطئين من القرية , وكان من بينهم إمرأة في الخامسة و العشرين وكان زوجها قد غادر البيت منذ ثلاثة أيام ولم يعد , وهم رجال الحماية المدنية بإخراج الغريق من عرض البحر إلى الشاطئ لنقله إلى عربة الإسعاف . و تبادل الرجال بعض الكلمات قفز لها قلب المرأة , وشقت طريقها وسط الجموع واشرأبت برأسها فلمحت رجال الإسعاف وهم يقتربون وقد نال منهم الجهد , يحملون جثة بدأت تتضح ملامحها مع إقترابهم . . . 
وانطلقت في الهواء صرخة ملأت ما بين السماء و الأرض . نبيل . . .  

للقراءة أيضا ...
هام جدا : التعليقات تعبر عن رأي أصحابها، و إدارة الموقع تنآى بنفسها عما يرد فيها
تعليقاتكم عبر الفايسبوك
Clavier
لوحة المفاتيح بالعربية
D S s' s z r d' d H' j t' t b a
- y w h n m l k q f g' g Z T
0 1 2 3 4 5 6 7 8 9      
لوحة المفاتيح بالأمازيغية (تيفيناغ)
a b g d e f k h ε kh q i j l m
                       

n u r gh s č t w y z  w
                       

حروف أخرى

تكملة الطوارق